طبـاعة


حفـظ


ارسال
السبت 08 جمادى الثانية 1428هـ - 23 يونيو2007م
سلمان رشدي ليس المشكلة.. بل نحن
 

ارشاد منجي

أثناء نشأتي في "فانكوفر"، كنت أذهب كل يوم سبت لحضور دورس في مدرسة إسلامية، وهناك تعلمت عدم جدارة اليهود بالثقة بتاتا لانهم يعبدون المال بدلا من الله، وأن كل يهودي شغوف بكنز الذهب والفضة.

غير أني ما فتئت أشاهد لافتات المتاجر في محيط "سكناي" وقد خطّ أغلبها بلغات آسيوية مثل الماندرية والكانتونية، واليابانية، والكورية، والهندية والبنجابية، وكثير من تلك اللافتات كتبت بالاردو المنتشرة في باكستان وليس باللغة العبرية، مما جعلني أسآل نفسي وقتها: هل كانت مدرستي الدينية تلقنني معلومات مقولبة عوضا عن أن تعلمني الوقائع والحقائق؟

عاد هذا السؤال لخاطري مرة أخرى بفضل ما أثارته قضية الروائي البريطاني من أصل هندي سلمان رشدي صاحب رواية "آيات شيطانية" بالإضافة إلى عشرة أعمل أدبية أخرى غيرها، والذي ستمنحه ملكة انجلترا لقب "فارس"، وما أثار ببالي ذاك التساؤل هو ردة فعل وزير الشؤون الدينية الباكستاني وقوله إنه يحق وفي ضوء "إساءة" رشدي للإسلام بكتاباته المستفزة، القيام بعمليات انتحارية إثر ذلك التكريم.

ولم يقف الأمرعند هذا الحد حيث رفع أعضاء البرلمان والحكومة في باكستان من عقيرة الإدانة والاستنكار تجاه بريطانيا، معتبرين أن الحفاوة الانجليزية برشدي إساءة لمشاعر المسلمين في آسيا وأوروبا وجميع اصقاع الأرض. وأنا كمسلمة أشعر بالفعل أنه تمت إهانة مشاعري وانسانيتي جراء ردود الفعل غير المعقولة التي صدرت من إسلام آباد.

أشعر بالاهانة لان هذه ليست اول مرة تقابل فيها جوائز التكريم والتقدير بالغضب والعنف، ففي عام 1979 كان الفيزيائي "عبد السلام" أول مسلم يستلم جائزة نوبل للفيزياء، وعوضا عن الاحتفاء به في بلاده حاول متطرفون منعه من العودة إلى باكستان، وذلك رغم أن الرجل بدأ خطاب قبوله الجائزة بتلاوة آيات من القرآن الكريم على الملأ، وكل ذبنه أنه ينتمي إلى طائفة إسلامية تعتبر أقلية في بلده.

واشعر بالاهانه لانه في كل عام ثمة نساء يقتلن في باكستان اعدادهن تفوق اعداد المعتقلين في غوانتانامو بزعم انهن يدنسن شرف عائلاتهن. وإذا كنت أؤيد استنكار ما يحدث من انتهاكات وعسف لمعتقلي غوانتانامو، فإني اتساءل لماذا لم ينبس اؤلئك المتطرفون ببنت شفة جراء ما يحدث من انتهاكات فظيعة للنساء بدعوى الحفاظ على العفة.

أشعر بالإهانة لأن احد شيوخ التطرف في باكستان طالب في شهر ابريل(نيسان) المنصرم بإقالة وزيرة السياحة لاقترافها "ذنبا عظيما" بعد أن ربت مدرب للقفز الرياضي على كتف تلك الوزيرة مهنئا إياها بنجاحها، بعد أنهت تدريبها بنجاح خلال حفل خيري أقيم في فرنسا لجمع تبرعات لضحايا زالرال اصاب باكستان في عام 2005.

ألا يحق لي أن اشعر بالاهانة لآدميتي كإنسانة، ولديني كمسلمة، عندما اسمع فتاوى تأمر النساء بالبقاء داخل منازلهن دون حراك معزولات عن العالم، وألا يحق لي كذلك أن تنتابني مشاعر الإهانة عندما يجبر متطرفون أصحاب محلات الأشرطة الموسيقية والغنائية على إقفال متاجرهم.. ثم ألا يحق لي أن تتألم أحاسيسي وأنا أرى حكومات دول مسلمة تتعامل بخجل مع جنون متطرفين يهددون الأبرياء والمسالمين بالموت والعمليات الانتحارية.

وما زلت حتى اللحظة أشعر بغصة المهانة تلازم كبدي بعد أن قتل على الاقل خمسة وثلاثون مسلما في كابول على يد مسلمين آخرين. ويوم الثلاثاء، قتل سبعة و ثمانون مسلما في بغداد على يد "متمردين" إسلاميين، دون اي بيان استنكار رسمي من باكستان ضد هذه الجرائم ضد المسلمين، وكأن كل الهم الرسمي لإسلام آباد بات هو إدانة سلمان رشدي.

وما يشعرني بآلام المهانة أكثر هو صمت الأغلبية المسلمة المعتدلة تجاه اؤلئك الأصوليين الذين يعتبرون انفسهم "سفراء الله" على الأرض، وبتنا نكتفي بالشكوى من سيادة المتطرفين وأفكارهم الظلامية ولكن عندما تسنح لنا الفرصة للوقوف بوجههم نلوذ إلى سكينة مريبة.

لا أزعم أن ان مواجهة الترويع الظلامي والترهيب الأصولي بالأمر السهل، ولكن وخلال الربيع الماضي، جعل العالم الإسلامي ذلك الأمر أكثر صعوبة بعد أن قامت لجنة مكونة من ستة وخمسين عضوا في الدول الاسلامية وفي مقدمتهم باكستان بالضغط على لجنة الامم المتحدة لحقوق الانسان لاعتماد قرار يمنع "الإساءة إلى الأديان "، وبات هذا القرار يسهم بشكل أو بآخر في إعطاء الأنظمة القمعية حق سلب الحرية الفكرية تحت غطاء من قوانين دولية.

ورغم كل ذلك لم يزل الباكستانيون يظهرون رغبتهم الجامحة بان لا يبقوا مكممي الافواه من قبل أصوليين سياسيين ودينيين؛ ففي العام المنصرم، تحدت منظمات من المجتمع المدني قوانين تضطهد النساء كانت سائدة لثلاثة عقود من الزمن بحجة أنها مأخوذة من تعاليم الدين الإسلامي، واستطاعت تلك المنظمات ومن خلال اثباتها لاحترام مبادئ الدين الحنيف ان تجبر الكثير من علماء الدين الباكستانيين على الاعتراف بأن تلك القوانين الجائرة هي من صنع الانسان وليست منزلة من الله.

وفي هذا الشهر ايضا اجبر الباكستانيون حكومتهم على رفع القيود عن الصحافة ليعبروا عن عطشهم لحرية الرأي والتعبير، وليس ذلك بأمر مستغرب؛ فكتابي الذي ترجم الى اللغة الأوردية وهو موجود على موقع الانترنت الخاص بي، تم تنزيله بأعداد هائلة. والقادة الدينيون لايسمحون ببيعه في المكتبات، ولكنهم لا يستطيعون منع الباكستانيين، او غيرهم من المسلمين، من اشباع نهمهم للأفكار.

وبناءا على هذه الروح، حان الوقت "لمنع" النفاق وراء التستر بشعارات دينية، وحان الوقت لنعترف أن سلمان رشدي ليس المشكلة، بل نحن؛ ففي البداية، كانت المكافأة مقابل رأس رشدي مليون جنيه استرليني، ثم ازدادت الى مليون وربع، ومازال الرقم في ازدياد، والمستفيد الوحيد من ذلك هو النظام الإيراني الذي يستغل ذلك لمصالحه.. وكذلك نرى أن اليهود على ما يبدو ليسوا وحدهم من يجيد استثمار الأموال.
*نقلا عن صحيفة "التايمز" اللندنية

عودة للأعلى
تعليقات حول الموضوع
هل ترغب في التعليق على الموضوع؟

الاسم: 

عنوان التعليق: 

نص التعليق: